آني ديلارد: الكتابة بصفتها أداة معرفية

آني ديلارد: الكتابة بصفتها أداة معرفية

- ‎فيثقافة وفن
18
0

حينما تكتب، فأنت تنظُم سطرًا من كلمات. سطر الكلمات هذا معولُ عامل منجم، إزميلُ حفّار خشب، مسبارُ جرّاح. تقبضه وتحكم سيطرتك عليه، فيشق لك طريقًا تسلكه، وما تلبث أن تجد نفسك موغلًا في أرضٍ جديدة. إنها نهاية مميتة، أم أنك حددت المدخل الصحيح؟ ستعرف هذا غدًا، أو في مثل هذا الوقت من العام المقبل.

تشق الطريق بكل جسارة وتسلكه بفزع. تذهب إلى حيث يقودك الطريق، ويقابلك في نهايته وادٍ ضيق، فتصيغ البلاغات وتبعث البيانات.

تبدلت الكتابة، تحت سيطرتك وفي طرفة عين، من كونها تعبيرًا عن أفكارك إلى أداة معرفية. يثير المكان الجديد اهتمامك لما يشوبه من غموض. تقبل إليه، وتنظُم متواضعًا الكلمات بعناية، متنبهًا لكل الزوايا. تبدو الكتابة الأولية الآن ضعيفة وطائشة. لا قيمة لعملية الكتابة هذه؛ امحِ آثارك. الطريق ليس هو العمل المنشود. آمل أن تكون آثارك قد غُطيت؛ آمل أن الطيور أكلت فتات الخبز؛ آمل أن تلقي بكل هذا خلف ظهرك وألّا تلتفت للوراء.

سطر الكلمات مِطرقة تدق بها جدران بيتك، تضرب الجدران برفق من كل ناحية. وبعد أن تمنح هذه الأشياء سنوات من الاهتمام، تبدأ في معرفة ما تستمع إليه. بعض الجدران تكون جدرانًا حامِلة؛ وبقاؤها شرطٌ لازم لكيلا يتهادى كل شيء. يمكن لجدرانٍ أخرى أن تضمحل دون أن تنال جزاءها، يمكنك الاحساس بالفرق. ولسوء الحظ، الجدار الحامِل هو من يجب أن يصير إلى العدم في غالب الأحيان؛ لا مفر من ذلك. ثمة حل واحد قد يروعك، لكنه بين يديك. اسحقه بالضربة القاضية، وأخفض رأسك كي لا يلحقك الضرر.

تناقض الشجاعة تمامًا الأمل الجريء في أن هذا شيءٌ بديع يحتاجه العمل، أو ربما العالم. تتكئ الشجاعة، المنهكَة، على الحقيقة العارية القائلة بأن هذه الكتابة تُضعف العمل. اهدم العمل ثم ابدأ من جديد. يمكنك الاحتفاظ ببعض الجمل كأحجار طوب. وستكون معجزة لو تمكنت من الإبقاء على بعض الفقرات، مهما بلغت روعتها أو مشقة العمل عليها. بميسورك أن تهدر عامًا كاملًا في القلق بشأن ذلك، أو أن تهم به في الحال. (لا تكن جبانًا.)

لا يقتصر الجزء الذي يتعين عليك إزالته على أفضل جزء مكتوب، إنما أيضًا ذلك الجزء الذي كان من المفترض أن يكون صلب الموضوع. إنه القطعة الرئيسية الأصلية، التي تتشبث بها بقية القطع، وتستمد أنت الشجاعة منها لتبدأ من جديد. هنري جيمس يعرف ذلك جيدًا، وهو خير من تحدث فيه. ففي مقدمة كتابه The Spoils of Poynton، يأسى على حال الكاتب في جملتين هزليتين تصمدان في وجه النحيب: “أيُّ الأعمال لم يتخلَّ الكاتب فيها، بمشقة رهيبة، عن أفضل شيء أراد الإبقاء عليه؟ ألن يسأل نفسه، قبل كلمة “انتهى” المهيبة، عمّا حل بالشيء الذي من أجله كان لابد من النزوع إلى تلك النهاية؟”

الكاتب إذن يكتب عدة كتب. وفي كل كتاب كان يصرُّ على عِدة أفكار ملحة ومتقدة، لكنه ضحّى بالكثير منها لجمود صيغة الكتاب. “يجمع الشاب مادته ليبني جسرًا للقمر” يعلق ثورو بنبرة حزينة “أو ربما قصرًا أو معبدًا على الأرض. وبعد وقتٍ طويل، ينهي الرجل الكهل عمله ببناء سقيفة حطب إلى جوارهما.” يعود الكاتب إلى تلك المواد، تلك الموضوعات المتقدة، كعملٍ غير منجز لأنها عمل حياته.

كل ما يفرط فيه الكاتب هو بداية عملٍ ما.

اللوحة تغطي آثارها. يعمل الرسامون من الأساس حتى اكتمال العمل. وآخر نسخة من اللوحة تغطي النسخ السابقة وتطمسها. على الجانب الآخر، يعمل الكُتاب من اليسار إلى اليمين. تقبع الفصول المعرضة للاستبعاد في اليسار، وآخر نسخة لأي عمل أدبي تبدأ من مكانٍ ما في منتصف العمل، وتشتد صلابتها صوب النهاية. تبقى النسخة الأولى ببلادة ناحية اليسار. وتُصافح بداية العمل القارئ باليد الخطأ.

ـ ترجمة: نورة آل طالب

Facebook Comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

أرملة سوداء ـ قصّة قصيرة لـ لميس الزين

لا أتذكر تماما كل الأزواج الذين قتلتهم ..