عفرين… مدينةٌ لا بواكيَ لها

عفرين… مدينةٌ لا بواكيَ لها

- ‎فيآراء ومقالات
مشاهدة... 1406
0
آلان حسن

آلان حسن

بَعَدَ سبعِ سنواتٍ مِن حربٍ أخرجتْ أسوأ ما لدى الجميع، يترقّبُ السوريّونَ نهاية مأساتهم التي لَمْ يَعْهدوا لها مثيلاً، بَلْ كان بلدهم على الدوام ملاذاً من حروبِ البلدانِ المجاورة كفلسطين، والعراق، ولبنان.
ويبدو أنَّ ولادة سوريا الجديدة تمرُّ بمخاضٍ عسير، ولا أحَدَ يستطيع التنبؤَ بما سيأتي به الطَلِق، سوريا متجدّدة باتفاق الجميع، لكن لّمّا تتّضِح معالمها بَعَد.
خريطة التحالفات تبدّلت غيرَ مرّة، ومناطق السيطرة تتأرجح كأنّها لعبة كراسٍ موسيقيّة، الثابت فيها أنّ تنظيم «الدولة الإسلاميّة» زائل، والمتحوّل هو وَرَثَةُ تَرِكَتِهِ من الجغرافية الشاسعة التي كان يحكمها.
الفرز الأخير جعل نجم حزب الاتحاد الديمقراطيّ يسطع بقوة، فَمِنْ تحالفٍ مع الحكومة السوريّة مَكّنهُ من إدارة المناطق ذات الغالبيّة الكُرديّة، وتشكيل قوةٍ عسكريّة (وحدات حماية الشعب) وأمنيّة (الأسايش)، إلى الانتقال لمرحلةٍ أكثرَ تنظيماً، وهي تشكيل الإدارة الذاتية الديمقراطية مطلع العام 2014، أتْبَعَهُ بفيدراليّة شمال سوريا أوائل العام المنصرم، والمكوّنة من ثلاثة أقاليم (الجزيرة، والفرات، وعفرين)، وتخلّل ذلك تقاربٌ، ثمّ تحالفٌ مع الولايات المتحدة الأمريكيّة، وذلك خلال معارك استعادة السيطرة على مدينة كوباني/عين العرب.
وأنهى معاركه مع التحالف الدوليّ بالسيطرة على كامل جغرافية شرق نهر الفرات، بمظلّة أمريكيّة، ومدينة عفرين، برعاية روسية.
وهو ما اعتبرته تركيا تهديداً لأمْنِها القوميّ، حيث تصنِّف «الاتحاد الديمقراطي» فرعاً سورياً لحزب العمال الكُردستانيّ، الذي يخوض صراعاً مسلحاً مع الحكومة التركيّة منذ ثمانينيات القرن الماضي، خلّف مئات القتلى من الطرفين، كما حكمت على زعيمه عبد الله أوجلان بالسجن المؤبد في جزيرة إيمرالي التركية.
تَضَعُ تركيا هدفاُ استراتيجياً لها في سوريا، وهو القضاء على مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي، فشكّلت بداية العام الماضي غرفة عمليات «درع الفرات» الذي سيطر على مدينتي الباب وجرابلس، وذلك في مسعىً لفصل إقليميّ عفرين والفرات، وأتمّها بعملية «غصن الزيتون» للسيطرة على مدينتي عفرين، ومنبج الواقعتين تحت سيطرة قوّات سوريا الديمقراطيّة (الذراع العسكريّة لفيدراليّة شمال سوريا).
دعمت دمشقُ حزبَ الاتحاد الديمقراطيّ إلى أنْ أعلن نيّته إقامة نظامٍ فيدراليّ، مطلبٌ أثار مخاوف الحكومة السوريّة من مخططٍ تقسيميّ، خصوصاً أنّه تزامن وتحالفهم العسكريّ مع الولايات المتحدة الأمريكيّة، وتعززت المخاوف باشتباكاتٍ غير مسبوقة بين الطرفين في مدينتي القامشلي والحسكة الخاضعتين لسيطرةٍ مشتركة بين الجيش السوريّ ووحدات حماية الشعب.
التخوّف الرسميّ السوريّ كان سبباً لتقارب الضرورة مع تركيا «العدالة والتنمية» والتي تشارك دمشق الهواجس نفسها، إلا أنّ هجوم أنقرة الأخير على عفرين رافقه إدانة سورية شديدة اللهجة مقابل، مطالبات كُردية بتدخّل الجيش السوريّ لمنع سقوط المدينة في قبضة الجيش التركيّ وفصائل المعارضة السوريّة.
وترافقت تلك التطورات مع إعادة انتشار القوات الروسيّة العاملة في عفرين، والتي تعني قبولاً ضمنياً بالهجوم، مقابل شكوك ترقى لمرحلة اليقين باتفاق موسكو وأنقرة على مقايضة عفرين ومنبج، بإدلب التي تسيطر عليها فصائل سورية معارضة، حيث ترافقت عملية «غصن الزيتون» مع تقدّمٍ مضطرد للجيش السوريّ وحلفائه في ريف المدينة.
كما تأمل روسيا أنْ تضغط أنقرة على حلفائها من المعارضة السورية للابتعاد عن وضع شروط مسبقة، والانخراط في عملية سياسية تُفضي إلى إنجاز تسويةٍ سياسية مرضية لموسكو وحليفتها دمشق.
أما الولايات المتحدة الأمريكيّة فَنأت بنفسها عن العملية التركيّة في عفرين، بينما أعلنت أنّها ستحتفظ بوجودها العسكريّ في منبج، المدينة الثانية في بنك أهداف القيادة التركيّة، الأمر الذي صعدّ من لهجة مسؤولي البلدين تجاه بعضهما، حيث طالب رئيس الوزراء التركيّ بانسحاب القوات الأمريكيّة منها، تمهيداً لاقتحامها.
طلب قوبل بالرفض من واشنطن التي طالبت أنقرة بعدم التصعيد، والتركيز على قتال تنظيم «الدولة الإسلاميّة»، وكذلك زيارات قادة عسكريين أمريكيين لمناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطيّة لتطمينهم بعدم تخلي واشنطن عنهم، ما يعني استمرار الخلاف بين البلدين الأطلسيين.
معركة عفرين قد تكون آخر فصول الحرب السوريّة الممتدة منذ سبع سنوات، فجميع الأطراف قد هدّها الإعياء من هول ما عانوه.
التنظيمات المتطرفة التي تناسلت في سوريا كانت كافية لزعزعة أمن كل دول الجوار، وأزمة اللاجئين السوريين باتت أكبر من أنْ يستوعبوها.
أمّا الفيصل في الانتهاء من حالة الاستعصاء فهو اتفاق القوتين العظميين، الولايات المتحدة الأمريكيّة، والاتحاد الروسيّ، على تقاسم النفوذ الدوليّ، ومنها الحالة السوريّة، وستُعطى أدوارٌ ملائمة للقوى الإقليميّة، كُلٌّ بَحَسَبِ نفوذ في الداخل السوريّ، وقدرته على إدارة مصلحتهما.
أما أطراف الصراع المحليون، فسيكون عليهم واجب لملمة شتات ما عانوه خلال أعوام الحرب، وإعادة بناء سوريتهم الجديدة، على أسس مغايرة لما كانت عليه، وبرعايةٍ وإشرافٍ دوليَين.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

You may also like

رشا حلوة: حملات مكافحة جريمة ختان الإناث، صيحة في واد؟

جهود دولية ومحلية لا تتوقف من أجل وضع